جاري التحميل الآن

عندما يدق الشك الباب الزجاجي: كيف تحمي طفلك من التحرش داخل البيت؟

أمينة خليل في دور نيللي من مسلسل لام شمسية

كثير من الآباء والأمهات يُركزون على تحذير أطفالهم من الغرباء، ويعلّمونهم ألا يثقوا في من لا يعرفونهم، لكن ماذا عن أولئك الذين نعرفهم ونظن أنهم مأمونون؟ ماذا لو جاء الخطر من داخل البيت؟ من صديق مقرّب، أو قريب محل ثقة؟

في إحدى مشاهد مسلسل لام شمسية، شاهدت الأم “نيللي” من خلف الزجاج ابن زوجها يوسف مع صديق والده المقرب بعد انتهاء حفل عيد ميلاده. لم تكن رؤية واضحة تمامًا، مجرد لمحة سريعة للحظة بدت حميمية بشكل خاطئ، تلتها حركة إبعاد سريعة للطفل عندما شعرا بوجودها، وهو ما أيقظ في داخلها قلقًا عنيفًا وفجر الموقف. لم تكن تملك دليلًا قاطعًا يقتنع به الآخرون فورًا، فقط تفسير أمومي لما رأته جعلها تتدخل بقوة. هذه اللحظة تختصر ما نريد قوله: الخطر لا يرتدي دومًا وجه العدو.

الحديث عن التحرش الأسري ليس ترفًا ولا تهويلًا، بل ضرورة، لأنه من أصعب أنواع الانتهاكات وأكثرها صمتًا، فهو يحدث في أماكن يُفترض أنها آمنة، على يد أشخاص يفترض أنهم محل ثقة.

كيف نعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي؟

الأطفال لا يملكون مفردات التعبير التي نملكها، لكن أجسادهم وسلوكياتهم تتكلم. التغيرات المفاجئة في تصرفاتهم، كأن يصبح الطفل انطوائيًا أو شديد العصبية، هي إشارات لا ينبغي تجاهلها. أحيانًا يكشف الخوف من شخص بعينه حقيقة لا نستوعبها في البداية. في لام شمسية، لاحظت نيللي أن ابن زوجها لم يعد مرتاحًا عند زيارة صديق والده، كان يتوتر ويرفض الذهاب لدرسه معه أحيانًا، ويبدو عليه الارتباك دون أن يشرح السبب. هذه الملاحظة، رغم بساطتها، كانت ضمن مؤشرات أشعلت بداخلها القلق، وبدأت تربط بين تصرفات طفلها وسلوك الرجل.

التغير السلوكي ليس العلامة الوحيدة، فبعض الأطفال قد يُظهرون سلوكًا جنسيًا غير مناسب لأعمارهم، أو يستخدمون كلمات غير مألوفة. كما أن بعض الأعراض الجسدية المفاجئة، مثل التبول الليلي أو الكوابيس المتكررة، قد تكون وسيلة الجسم للتعبير عن ألم لم يجد له الطفل مخرجًا بالكلام.

كل هذه العلامات لا تعني بالضرورة حدوث تحرش، لكنها نداءات استغاثة يجب الإصغاء لها بجدية.

كيف نحمي أطفالنا؟

الخطوة الأولى للحماية تبدأ من البيت، ومن العلاقة اليومية بين الأم وطفلها، بين الأب وابنته. لا يتعلق الأمر بمراقبة كل من حولهم، بل ببناء جدار داخلي من الوعي والثقة.

حين نُعلّم الطفل منذ صغره أن لجسده حدودًا لا يحق لأحد تجاوزها، ونستخدم معه كلمات واضحة – لا أسماء غامضة أو مواربة – نمنحه أول أدوات الدفاع. أن تقول له: “هذا جسدك، لا يحق لأحد لمسه دون إذنك”، هو درس بسيط لكنه جوهري.

لكن الطفل لن يجرؤ على الرفض، أو على البوح، ما لم يشعر أن والديه سيصدقانه ويحميانه. كثير من الأطفال يصمتون لأنهم يخشون العقاب، أو يظنون أنهم أخطأوا، أو ببساطة لا يفهمون ما حدث لهم.

وهنا تأتى أهمية أن نكون حاضرين. لا بالحضور الجسدي فقط، بل بالإنصات الحقيقي، بالسؤال اليومي: “كيف كان يومك؟ هل أزعجك أحد؟” بأسلوب لا يُشعر الطفل بالخوف، بل بالأمان.

وفي السياق نفسه، المشهد الذي رصدت فيه نيللي ابن زوجها من خلف الزجاج لم يكن نهاية القصة، بل شرارتها. فقد واجهت الموقف فورًا بناءً على ما رأته، وعندما قوبلت بالتشكيك وحتى الاتهام بالتخيل، لم تتجاهل الأمر بدافع الخجل أو الحفاظ على العلاقات، بل اتبعت إحساسها الأمومي وإصرارها على وجود خطأ ما، وهو ما لم يكن سهلًا وسط إنكار زوجها وصدمته، لكنه كان ضروريًا لحماية الطفل لاحقًا عندما ظهرت دلائل أخرى تؤكد شكوكها الأولى.

حين يكون المتحرش “واحدًا منا”

أصعب ما في التحرش الأسري أنه لا يأتي من مجهول، بل من شخص نعرفه، وربما نثق به. أحيانًا يكون المتحرش قريبًا جدًا من العائلة، أو صديقًا لها، وقد يكون فردًا منها.

في هذه الحالة، الصدمة مضاعفة، والمواجهة أكثر تعقيدًا. هناك من يفضل الصمت حفاظًا على شكل الأسرة أو السمعة، أو بدافع الإنكار. وهذا ما فعله والد الطفل في لام شمسية حين حاول إنكار الأمر في البداية وشكك في زوجته. لم يستطع تصديق أن صديقه، من يثق فيه، يمكن أن يكون مؤذيًا لطفله. لكن الحقيقة لا تتغير بالإنكار.

السكوت لا يحمي الأسرة، بل يحمي الجاني. والمواجهة، وإن كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد لحماية الطفل وشفائه.

وماذا لو حدث فعلًا؟

إذا اكتشفت الأم – أو شكّت بجدية – أن طفلها تعرض لتحرش، فالأهم أن يكون رد فعلها داعمًا. أن تقول له: “أنت لست مخطئًا، ما حدث ليس ذنبك، وأنا إلى جانبك”، هو أول خطوة حقيقية نحو التعافي.

ثم يأتي دور المتخصصين، فالتعامل النفسي مع الطفل بعد هذه التجربة ضروري، ليس فقط لحمايته من آثارها، بل لإعادة بناء ثقته في نفسه وفي العالم من حوله.

ولا ينبغي أبدًا التساهل مع الجاني، أيًا كان. تقديم بلاغ قانوني، واتخاذ إجراءات رسمية، ليس انتقامًا بل حماية. لأن من يؤذي طفلًا، قد يؤذي غيره. والمسؤولية لا تتوقف عند حدود الأسرة.

في الختام

التحرش الأسري يختبئ خلف الأبواب المألوفة، ويتخفّى تحت وجوه نعرفها. لكنه ليس قدرًا محتومًا. يمكن منعه، أو اكتشافه مبكرًا، فقط لو كنا على وعي، وعلى استعداد لنسأل، ونصدق، ونتحرك.

مشهد واحد في لام شمسية، جعلنا نُدرك أن الأم ليست فقط من تطبخ وتُذاكر وتُلبس أبناءها، بل من تحرسهم أيضًا من الخطر، حتى لو جاء في هيئة ضيف مرحب به وصديق مقرب للعائلة.

فلنكن جميعًا هذا الحارس. لأن أجساد أطفالنا ليست متروكة، وكرامتهم لا مساومة فيها، وخوفهم لا يُقابل بالصمت، بل بالاحتضان.

Share this content:

إرسال التعليق