تأثير صلاح: ليفربول قبل محمد صلاح وبعده
في كرة القدم، قليل من اللحظات تصنع فرقًا حقيقيًا في تاريخ نادٍ بالكامل. لكن لحظة انضمام محمد صلاح إلى ليفربول في صيف 2017 لم تكن مجرد صفقة عابرة، بل لحظة ولادة جديدة للفريق. ليفربول وقتها كان ناديًا يبحث عن ذاته، تائهًا بين أمجاد الماضي ومعاناة الحاضر، يعيش على أطلال جيل عظيم رحل دون أن يترك خلفه استمرارية تليق باسم “الريدز”.
ليفربول قبل صلاح: البحث عن الهوية
منذ آخر تتويج بلقب الدوري عام 1990 وحتى منتصف العقد الماضي، كان الفريق يعاني من عدم الاستقرار، تغييرات مستمرة في الأجهزة الفنية، وقرارات إدارية متخبطة، وصفقات كانت في معظمها دون المستوى. صحيح أن هناك محاولات جادة مثل موسم 2013/14 الذي اقترب فيه الفريق من الحلم تحت قيادة بريندان رودجرز، لكن تراجع المستوى بعد ذلك كان سريعًا ومؤلمًا. لم يكن هناك نجم هجومي يمكن الاتكال عليه في كل مباراة، وكانت المنظومة تفتقر للصلابة الدفاعية والحدة الهجومية التي تُرهِب الخصوم. كان الفريق بحاجة إلى بطل… وجاء البطل من مصر.
وصول صلاح: البداية الثورية
حين قرر يورغن كلوب التوقيع مع محمد صلاح من روما مقابل ما يقارب 43.9 مليون يورو في صيف 2017، لم يكن الجميع مقتنعًا أن اللاعب المصري الذي فشل نسبيًا في تجربته السابقة مع تشيلسي قادر على حمل هجوم ليفربول على كتفيه. لكن صلاح لم ينتظر طويلًا للرد. في موسمه الأول، سجل 44 هدفًا في جميع المسابقات، محطمًا أرقامًا لأساطير كبار في الدوري الإنجليزي، وعلى رأسهم لويس سواريز وكريستيانو رونالدو. لم يكن مجرد جناح يسجل الأهداف، بل لاعبًا يصنع اللعب ويتحرك بذكاء ويفتح المساحات لزملائه، ويضغط كالمهاجم الأول في الفريق. مع الثلاثي ماني وفيرمينو، شكل صلاح واحدة من أقوى الهجمات في أوروبا، منظومة ضغط شرس وسرعة وانتقال هجومي خاطف يصعب إيقافه.
صعود ليفربول: بطولات وأرقام قياسية
وجود صلاح لم يعطِ ليفربول بُعدًا هجوميًا فقط، بل منح الفريق شخصية، حسم، وثقة مطلقة في المباريات الكبرى. فجأة، أصبح ليفربول قادرًا على العودة في المباريات، على سحق الكبار، وعلى مجاراة عمالقة أوروبا. والنتائج لم تتأخر، ففي 2019 تُوج الفريق بدوري أبطال أوروبا بعد مشوار أسطوري، تبعه الفوز بالسوبر الأوروبي، ثم لقب الدوري الإنجليزي الأول منذ ثلاثة عقود في موسم 2019/2020. صلاح لم يكن مجرد مساهم في هذه البطولات، بل كان نجمها الأول، هداف الفريق، وصاحب اللحظات الحاسمة.
التأثير خارج الملعب
ولم يقتصر تأثيره على أرض الملعب فقط. صلاح رفع من القيمة التسويقية لليفربول عالميًا، وفتح للنادي أبواب قلوب الملايين في الشرق الأوسط وأفريقيا. أصبح أيقونة عالمية، وسفيرًا للكرة العربية، ومصدر إلهام لأجيال من الشباب. حتى في الأوقات التي تراجع فيها مستوى الفريق، ظل صلاح حاضرًا، يسجل، يصنع، ويقاتل في كل مباراة بنفس الشغف.
الأرقام لا تكذب
وحتى أبريل 2025، بات في رصيد محمد صلاح مع ليفربول 243 هدفًا و18 تمريرة حاسمة في 396 مباراة. فاز بالحذاء الذهبي ثلاث مرات، ويتصدر سباق الحذاء الذهبي لهذا الموسم أيضًا برصيد 27 هدفًا، ويُعتبر الهداف التاريخي للنادي في دوري أبطال أوروبا برصيد 45 هدفًا. وإذا نظرت إلى حجم مساهماته الهجومية، فأنت تتحدث عن أكثر من 350 مساهمة مباشرة في الأهداف. أرقام مذهلة تضعه ضمن أعظم من ارتدى القميص الأحمر عبر التاريخ.
لاعب أعاد تعريف الفريق
التغيير الذي أحدثه محمد صلاح في ليفربول لا يمكن تلخيصه في أرقام فقط، بل هو حالة، هوية، ورسالة مفادها أن لاعبًا واحدًا بإرادة فولاذية، يمكنه أن يعيد فريقًا بالكامل إلى القمة. ليفربول قبل صلاح كان مشروعًا معلقًا. ليفربول بعد صلاح، أصبح أحد أقوى فرق العالم، يحسب له الجميع ألف حساب. ببساطة، صلاح لم ينضم إلى ليفربول، بل أعاد تعريفه.
Share this content:
إرسال التعليق