جاري التحميل الآن

فيلم “سيكو سيكو”: ضحك بعقل واعٍ وسينما تعرف ما تريد

فيلم سيكو سيكو 2025

في وقت أصبحت فيه الكوميديا السينمائية رهينة النكتة السريعة و”الإفيه” اللحظي، يخرج علينا فيلم “سيكو سيكو” كأنه يفتح شباكًا على نَفَس جديد. ليس فقط لأنه مضحك، بل لأنه يفعل ذلك بذكاء وبناء فني ناضج لا يعتمد على الارتجال العشوائي أو الاستسهال السائد. الفيلم، المستوحى من فكرة مسلسل تحولت إلى عمل سينمائي متكامل، يأتي بتوقيع المخرج عمر المهندس والكاتب محمد الدباح، ليؤكد لنا أن الكوميديا المصرية ما زال في جعبتها ما يُقال ويُقدَّم بجودة وقيمة.

حبكة تقوم على المفارقة: ميراث… لكنه ليس كما نتوقع

تدور القصة حول شابين من أبناء العم: سليم خير البحيري (طه دسوقي) ويحيى علي البحيري (عصام عمر). رغم صلة الدم، فإن الماضي بينهما مليء بالخصام والجفاء. لكن القدر يجمعهما مرة أخرى، وهذه المرة على باب ميراث غامض تركه عمهما الراحل. توقعا ثروة، ففوجئا بـ… كمية ضخمة من المخدرات.

وهكذا تبدأ الرحلة.

رحلة يتورطان فيها دون رغبة، بين محاولة التخلص من “الإرث” بأقل خسائر ممكنة، وبين الوقوع في دوامة عالم الجريمة. من محاولات بيع تقليدية إلى خطة جريئة لبيع المخدرات داخل لعبة إلكترونية، تتكشف لنا شخصياتهما، تتباعد وتتقاطع، وتتغير تدريجيًا تحت ضغط الخطر.

ما الذي يجعل “سيكو سيكو” فيلمًا يستحق المشاهدة؟

1. ثنائية تمثيلية تنبض بالحياة

قلب الفيلم النابض بلا منازع هو التناغم الحي بين طه دسوقي وعصام عمر. العلاقة بين “سليم” و”يحيى” ليست فقط محور الأحداث، بل هي المحرّك العاطفي للكوميديا والدراما معًا. طه دسوقي يقدّم سليم كفتى يبدو هادئًا، لكن يحمل بداخله عنادًا وإصرارًا لا يُستهان به، بينما يظهر عصام عمر في دور يحيى بشخصية مندفعة ومرحة، تخفي تحت خفتها حساسية وإنسانية. التوازن بينهما، المدعوم بخلفية مسرحية قوية وقدرة على الارتجال المدروس، يجعل مشاهدهم المشتركة كأنها نبضات قلب الفيلم.

2. إخراج ناضج يعرف أين يضحك وأين يصمت

رغم أن “سيكو سيكو” هو أول أفلام عمر المهندس الطويلة، فإنه يظهر نضجًا لافتًا في أدواته. لم يقع في فخ الكوميديا السهلة، بل قدّم كوميديا موقف تنبع من الشخصيات نفسها، من ردود أفعالها، من تناقضاتها… لا من النكتة الجاهزة. استخدامه للكاميرا، اختيار زوايا التصوير، دمج الموسيقى التصويرية والأغاني بشكل وظيفي وليس استعراضيًا، كلها أمور خدمت البناء الدرامي واللحظة الكوميدية في آن.

3. سيناريو لا يستخف بعقل المشاهد

كتب محمد الدباح سيناريو يُحسب له. بنى حبكة متماسكة، حوارًا طبيعيًا، وشخصيات حقيقية تتحرك ضمن منطق درامي واضح. استخدم مبدأ “الزرع والحصاد” بمهارة (Planting and Payoff)، حيث تُزرع التفاصيل في البداية وتُقطف لاحقًا في مفاجآت منطقية. كما تفادى السقوط في الكليشيهات، فلم يذهب إلى نهاية تقليدية أو حبكة رومانسية مستهلكة، بل حافظ على نغمة الفيلم الخاصة حتى آخر مشهد.

4. أدوار أخرى تُضيف ولا تستهلك

خالد الصاوي، في دور “حاتم حرفوش”، يضخّ جرعة من الجدية والهيبة إلى دور تاجر المخدرات، دون مبالغة أو تصنّع. باسم سمرة، قدّم شخصية “اللواء وائل الكردي”، والد خطيبة سليم، بحضور جاد ومتماسك، دفع سليم إلى التعاون مجبرًا، بعد كشف هويته ووضع خطة لإنهاء الخطوبة وتلفيق كامل التهم ليحيى. “علي صبحي” في شخصية “تاكس” يسرق الكاميرا بمشهد أو اثنين. أما الطرافة الخفيفة فكان لها مكانها في حضور “مؤمن الحناوي” (هولندا) و”أحمد عبد الحميد”، دون أن يتحول الأمر إلى استظراف زائد. الكل في مكانه، الكل يخدم الفيلم.

بعض الهفوات… دون أن تُفسد الطبخة

رغم النجاح الواضح، لم يسلم “سيكو سيكو” من بعض الهفوات. بعض الشخصيات الفرعية كان يمكن منحها مساحة تطور أوسع، وبعض التحولات داخل الحبكة جاءت متسارعة أو معتمدة على مصادفات تحتاج إلى قليل من التمهيد. كما أن بعض النجوم الكبار، رغم حضورهم المؤثر، لم تُستثمر طاقتهم التمثيلية بالكامل، ربما بسبب تركيز القصة على الثنائي الرئيسي فقط.

ليس مجرد ضحك: رسالة وسط الفوضى

ورغم الغلاف الكوميدي، فإن “سيكو سيكو” لا يخجل من طرح قضايا الواقع. شباب يشعر بالضياع، يبحث عن خلاص، ويجد نفسه بين مطرقة الفقر وسندان الجريمة. لكنه لا يُروّج للخطأ، بل يعرض عواقبه. هنا نرى النضج الحقيقي في الطرح: أن تضحك، نعم، لكن في خلفية المشهد هناك دومًا ما يدعوك للتفكير.


الخلاصة: سينما تعرف نفسها وتعرف جمهورها

“سيكو سيكو” ليس مجرد فيلم ممتع؛ هو بيان بأن السينما المصرية قادرة على التجديد، على الجمع بين الترفيه والمعنى. فيلم ينبض بشخصية خاصة، يصنع من الكوميديا فنًا راقيًا لا يتخلى عن ذكائه. عمل شبابي، لكنه لا يُخاطب الشباب فقط، بل كل من يبحث عن ضحكة صادقة وسينما تحترم عقل من يشاهدها.

فإذا كنت قد ظننت أن الكوميديا المصرية قد استهلكت أوراقها، فـ”سيكو سيكو” سيجعلك تعيد التفكير، وتخرج من القاعة بابتسامة… وبذرة فكرة.

ورغم بعض الهفوات، فإن الفيلم خرج لنا كتجربة شبه متكاملة، تجمع بين حس فني واضح وروح مرحة لا تستسهل الضحك. ولو كنا نزن الأعمال الكوميدية بعدد الضحكات وجودة البناء، فإن “سيكو سيكو” يستحق علامة 8.5 من 10 عن جدارة—فيلم يُضحكك، لكنه لا يتركك خفيفًا.

Share this content:

إرسال التعليق