جاري التحميل الآن

حرب الرسوم الجمركية: من يربح في معركة بلا منتصر؟

سفن بضائع تغرق

تخيل أن العالم يتحول إلى ساحة ملاكمة ضخمة، لكن لا أحد يتبادل اللكمات… بل يتبادل الرسوم الجمركية. جولة هنا من واشنطن، ورد قاسٍ من بكين هناك، والعالم يتفرج بقلق على مشهد لم ينتهِ منذ أن أطلق دونالد ترامب شرارة الحرب التجارية الكبرى في عام 2018.

منذ ذلك الحين، لم تعد كلمة “الرسوم الجمركية” مجرد مصطلح اقتصادي ثقيل، بل تحوّلت إلى عنوان رئيسي في كل نشرات الأخبار، وصار لها تأثير مباشر على أسعار السلع، وأرباح الشركات، بل وأحيانًا… على مزاج المستهلك العادي في متجر البقالة.

لكن دعونا نهدأ قليلًا، ونتساءل: ما أصل هذه الرسوم؟ متى تكون مفيدة؟ ومتى تتحوّل إلى عبء؟ والأهم: من الرابح الحقيقي في هذه الحرب الاقتصادية العالمية؟

الرسوم الجمركية: فكرة قديمة تعود للواجهة

الرسوم الجمركية ليست اختراعًا حديثًا. هي ببساطة ضرائب تفرضها دولة ما على السلع المستوردة من الخارج، وغالبًا ما تُستخدم لتحقيق أحد هدفين: إمّا لحماية الصناعة المحلية من المنافسة الأجنبية، أو لجمع إيرادات إضافية لخزينة الدولة.

لكن في بعض الأحيان، تكون هذه الرسوم سلاحًا سياسيًا، يُستخدم للضغط أو للرد على سلوك تجاري عدائي من دولة أخرى.

أشهر مثال تاريخي على سوء استخدام هذه الأداة كان في عام 1930 عندما فرضت الولايات المتحدة تعريفات ضخمة على أكثر من 20 ألف منتج عبر قانون “سموت-هاولي“، والنتيجة؟ كارثة تجارية عالمية! انخفضت حركة التجارة بنسبة تقارب 65%، وساهمت تلك السياسات في تعميق الكساد الكبير بدلًا من علاجه.

متى تنجح سياسة الحماية؟ ومتى تنقلب على أصحابها؟

من الناحية النظرية، قد تبدو الحماية الجمركية مغرية. بلدك تُنتج سيارات؟ عظيم! دعنا نرفع الرسوم على السيارات الأجنبية كي نمنح صناعتنا فرصة للنمو. يبدو منطقيًا، أليس كذلك؟

نعم، ولكن…!

إذا لم تكن الصناعة المحلية قادرة فعلاً على تلبية الطلب أو الحفاظ على الجودة والسعر، فإن المستهلك سيدفع الثمن. حرفيًا. سترتفع الأسعار، وقد تتراجع الجودة، وسيتباطأ الابتكار، لأن المنافسة التي تُحفّز الشركات على التطور قد اختفت وراء جدار جمركي.

ترامب يعود برسوم جمركية جديدة: ما القصة الآن في 2025؟

في أوائل 2025، عاد ترامب إلى دائرة الأضواء، وهذه المرة بأجندة تجارية أكثر جرأة. تعهّد برفع الرسوم الجمركية إلى حدود تصل إلى 60% على السلع الصينية، كما فرض رسومًا جديدة على سلع أوروبية وكندية. الهدف؟ “إعادة التصنيع إلى أمريكا“، بحسب تصريحاته الرسمية.

الصين، كما هو متوقع، لم تقف مكتوفة الأيدي. في مارس 2025، ردّت بفرض رسوم على واردات أمريكية تشمل التكنولوجيا، الزراعة، وقطاع السيارات، مما أشعل فتيل جولة جديدة من النزاع وصلت فيها الرسوم الجمركية على السلع الصينية 145%، وقابلتها الصين برسوم تصل إلى 125% على السلع الأمريكية.

في الواقع، وفقًا لتحليل صدر عن Peterson Institute for International Economics في أبريل 2025، فإن هذه الرسوم قد تؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الأمريكي بنسبة 0.7%، بينما تُقلّص النمو الصيني بنحو 0.5%… كلا الطرفين يتألمان.

من الرابح في هذه الحرب إذًا؟

في المدى القصير؟ لا أحد.

المستهلك الأمريكي يدفع أسعارًا أعلى، والمزارع الأمريكي يخسر الأسواق الصينية، والشركات متعددة الجنسيات تُعيد حساباتها في سلاسل التوريد. أما الصين، فرغم قدرتها على تنويع أسواقها، إلا أن الطلب الأمريكي لا يزال هامًا، وخسارته موجعة.

لكن المفارقة تكمن هنا: الدول الصغيرة والمتوسطة قد تكون الرابح الهادئ. شركات من فيتنام، المكسيك، وإندونيسيا بدأت تحلّ تدريجيًا محل الصادرات الصينية إلى أمريكا، مستفيدة من التحوّل في سلاسل التوريد العالمية. كذلك، بعض الصناعات في الداخل الأمريكي (مثل الحديد والألمنيوم) تلقّت دفعة مؤقتة نتيجة الحماية.

هل الحرب الجمركية باقية؟

المؤشرات تشير إلى أن هذه المعركة لن تنتهي قريبًا، خصوصًا مع تصاعد اللهجة السياسية في أمريكا. لكن على المدى البعيد، معظم الاقتصاديين – من أمثال Paul Krugman وDani Rodrik – يُجمعون على أن الحروب التجارية لا تُنتج منتصرين، بل تخلق اضطرابات قد تستغرق سنوات لإصلاحها.

حين تتحول التجارة إلى معركة إرادات

الرسوم الجمركية ليست مجرد أداة مالية، بل مرآة لسياسات وأولويات وطنية. في عالم اليوم، لم تعد التجارة مجرّد تبادل سلع… بل ساحة نفوذ وهيمنة. لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل تستحق هذه المعركة كل هذا الثمن؟

ربما لن نجد إجابة واضحة الآن. لكن المؤكد أن كل قرار اقتصادي له ثمن، وكل حرب—حتى لو كانت تجارية—لها خسائر، حتى ولو ارتفعت معها الجدران الجمركية.

Share this content:

إرسال التعليق